محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

149

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

ذكر البرك التي عمّرت بمكة وتفسير أمرها وقال بعض أهل مكة عن أشياخه : إنّ سليمان بن عبد الملك كتب إلى خالد بن عبد اللّه القسري : أن أجر لي عينا من الثقبة « 1 » يخرج من مائها العذب الزلال ، حتى تظهر بين زمزم والمقام ، تضاهي بها - فيما ذكروا - زمزم . قال : فعمل خالد بن عبد اللّه البركة التي بفم الثقبة ، يقال لها : بركة القسري ، ويقال لها بركة السروي « 2 » ، وهي قائمة إلى اليوم بأصل ثبير ، فعملها بحجارة منقوشة طوال ، وأحكمها وأنبط ماءها في ذلك الموضع ، ثم شقّ لها فلجا يسكب فيها من الثقبة ، [ وبنى سدّ الثقبة وأحكمه ] « 3 » - والثقبة : شعب يفرع فيه وجه ثبير - ثم شقّ من هذه البركة عينا / تخرج إلى المسجد الحرام ، فأجراها في قصب « 4 » من رصاص حتى أظهرها من فوّارة « 5 » تسكب في

--> ( 1 ) سيأتي ذكرها في القسم الجغرافي - إن شاء اللّه - وهي المتن الشرقي لجبل ثبير الأثبرة ، ويعرف بعضها اليوم ب ( الغسالة ) على يمين الذاهب إلى الطائف من طريق السيل ، وهي مقابلة تماما لحراء . ( 2 ) نسبة إلى السراة سراة اليمن ، وخالد منهم . وتصحفت هذه اللفظة عند الأزرقي إلى ( البردي ) . ( 3 ) العبارة في الأصل ( وبها شيّد القبة وأحكمها ) وهو تصحيف ، أصلحته من الأزرقي . ولا زالت آثار هذا السد واضحة إلى اليوم ، بعد مدخل الغسالة بقليل ، وقد قسّمه شارع الغسالة إلى نصفين . ( 4 ) القصب : واحدته قصبة ، وأصله : العظم المستدير الأجوف ، والنبات ذو الأنابيب ، ثم أطلق على كل شيء مستدير أجوف ، من أي معدن كان . والمراد هنا أنابيب من رصاص . اللسان 1 / 675 . وهذا - إن صحّ - عمل عجيب ، أن تمدّ أنابيب من رصاص بطول يساوي 5 كلم أو أكثر ، لا يقل قطر الأنبوب عن 10 بوصات على أقل تقدير ، بشكل موزون وانسيابي يسمح بمرور الماء دون قوّة دافعة ، وفي منطقة وادي مكة ، ذي السيول العظيمة العارمة ، وفي ذلك الزمن المبكر من تاريخ الحضارة الإسلامية إنه عمل يدعو إلى التأمل إن صحّت الرواية . ( 5 ) أي : موضع يفور منه الماء ، ويطلق عليه اليوم ( النافورة ) . اللسان 5 / 67 .